عبد الله بن أحمد النسفي

277

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 142 إلى 143 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ( 142 ) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 143 ) 142 - أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ أم منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها الإنكار أي لا تحسبوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ أي ولمّا تجاهدوا ، لأنّ العلم متعلق بالمعلوم ، فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلّقه ، لأنّه منتف بانتفائه ، تقول ما علم اللّه في فلان خيرا أي ما فيه خير حتى يعلمه ، ولما بمعنى لم إلّا أنّ فيه ضربا من التوقع فدلّ على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ نصب بإضمار أن ، والواو بمعنى الجمع نحو لا تأكل السمك وتشرب اللبن ، أو جزم للعطف على يعلم اللّه وإنّما حرّكت الميم لالتقاء الساكنين واختيرت الفتحة للفتحة قبلها « 1 » . 143 - وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ خوطب به الذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يحضروا مشهدا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 2 » لينالوا كرامة الشهادة وهم الذين ألحوا على رسول اللّه « 3 » في الخروج إلى المشركين وكان رأيه في الإقامة بالمدينة يعني وكنتم تتمنون « 4 » الموت قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدّته فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي رأيتموه معاينين مشاهدين له حين قتل إخوانكم بين أيديكم وشارفتم أن تقتلوا ، وهذا توبيخ لهم على تمنيهم الموت وعلى ما تسببوا له من خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 5 » بإلحاحهم عليه ثم انهزامهم عنه ، وإنّما تمنوا الشهادة لينالوا كرامة الشهداء من غير قصد إلى ما يتضمنه من غلبة الكفار ، كمن شرب الدواء من طبيب نصراني فإنّ قصده حصول الشفاء ولا يخطر بباله أنّ فيه جرّ منفعة إلى عدوّ اللّه وتنفيقا لصناعته . لما رمى ابن قميئة « 6 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحجر فكسر رباعيته أقبل يريد قتله فذبّ عنه مصعب بن عمير « 7 » وهو صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنّه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال قتلت محمدا ، وخرج صارخ قيل هو الشيطان ألا إنّ محمدا قد قتل ، ففشا في الناس خبر قتله ، فانكفئوا وجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يدعو ( إليّ عباد اللّه ) حتى انحازت

--> ( 1 ) في ( ظ ) و ( ز ) واختيرت الفتحة لفتحة ما قبلها . ( 2 ) ليست في ( أ ) . ( 3 ) زاد في ( ز ) صلى اللّه عليه وسلم . ( 4 ) في ( ظ ) و ( ز ) تمنون . ( 5 ) ليست في ( أ ) . ( 6 ) ابن قميئة : هو ابن قميئة الحارثي أحد بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة ( الطبري ) . ( 7 ) مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، صحابي من السابقين إلى الإسلام قاتل في بدر واستشهد في أحد عام 3 ه ( الأعلام 7 / 248 ) .